فخر الدين الرازي

56

تفسير الرازي

على براءة حال مريم عليها السلام من الفاحشة ، وكان الحاضرون جمعاً قليلين ، فالسامعون لذلك الكلام ، كان جمعاً قليلاً ، ولا يبعد في مثله التواطؤ على الإخفاء ، وبتقدير : أن يذكروا ذلك إلا أن اليهود كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت ، فهم أيضاً قد سكتوا لهذه العلة فلأجل هذه الأسباب بقي الأمر مكتوماً مخفياً إلى أن أخبر الله سبحانه وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك ، وأيضاً فليس كل النصارى ينكرون ذلك ، فإنه نقل عن جعفر بن أبي طالب : لما قرأ على النجاشي سورة مريم ، قال النجاشي : لا تفاوت بين واقعة عيسى ، وبين المذكور في هذا الكلام بذرة . ثم قال تعالى : * ( ومن الصالحين ) * . فإن قيل : كون عيسى كلمة من الله تعالى ، وكونه * ( وجيهاً في الدنيا والآخرة ) * وكونه من المقربين عند الله تعالى ، وكونه مكلماً للناس في المهد ، وفي الكهولة كل واحد من هذه الصفات أعظم وأشرف من كونه صالحاً فلم ختم الله تعالى أوصاف عيسى بقوله * ( ومن الصالحين ) * ؟ . قلنا : إنه لا رتبة أعظم من كون المرء صالحاً لأنه لا يكون كذلك إلا ويكون في جميع الأفعال والتروك مواظباً على النهج الأصلح ، والطريق الأكمل ، ومعلوم أن ذلك يتناول جميع المقامات في الدنيا والدين في أفعال القلوب ، وفي أفعال الجوارح ، فلما ذكر الله تعالى بعض التفاصيل أردفه بهذا الكلام الذي يدل على أرفع الدرجات . قوله تعالى * ( قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ واَلإِنجِيلَ ) * . قال المفسرون : إنها إنما قالت ذلك لأن التبشير به يقتضي التعجب مما وقع على خلاف العادة وقد قررنا مثله في قصة زكريا عليه السلام ، وقوله * ( إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ) * ( غافر : 68 ) تقدم تفسيره في سورة البقرة . أما قوله تعالى : * ( ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ) * ففيه مسألتان :